أدب و ثقافةالمقال الاسبوعيالمقالات الأدبية

خمر وحليب الجزء الثاني (العين الماسية الخميس من كل اسبوع)

محمد رضا كافي

(3) خمر و حليب ..
( الجزء الثاني )
في عام 2000م زار مؤتمر العالم الإسلامي بجدة وفد نسائي أمريكي برئاسة السيدة جينا أبر كرومبي / مستشارة الرئيس بيل كلينتون، ومسؤولة في مجلس الأمن القومي الأمريكي ، ورئيسة دائرة شؤون بلدان أسيا وجنوب شرق آسيا إذ ذاك في وزارة الخارجية الأمريكية، وهي اليوم القنصل الأمريكي بجدة، وكان الوفد مهتم بمسألتين : (المرأة) و( الديموقراطية) .. وقد بدأ بسؤال للسيدة جينا حيث قالت : «لقد حاولنا بأنفسنا التعرف على وضع المرأة في الإسلام فلم نستطع .. واستعنا بأصدقائنا من العرب والمسلمين، فجاءت المعلومات متناقضة .. فقررنا أن نأتي مباشرة إلى ديار المسلمين .. وأنتم في مؤتمر العالم الإسلامي ممن رشحوا لنا للتحاور معهم بهذا الشأن – فماذا عندكم ..؟» – وكان الرد أن «المرأة أم المجتمع، ومصدر استقراره، وحارسة أمنه .. والأسرة: هي الوحدة الأساس من وحدات بناء المجتمع المدني السليم .. بل هي المؤسسة المركزية بين مؤسسات المجتمع الحضاري الآمن .. ونقطة الافتراق بيننا وبينكم بشأن المرأة بدأت يوم أن قررتم – على نقيض منهج أجدادكم وعظمائكم – أن تشطبوا مؤسسة الأسرة من مؤسسات المجتمع المدني .. بل وألغيتموها .. واستبدلتموها بالإباحية الاجتماعية .. وأقمتم على أساس من هذا القرار وهذا التوجه الثقافي الطارئ لديكم .. قاعدة تحرير المرأة من البيت .. أي تحرير المرأة من ثقافة الأسرة إلى ثقافة الا أسرة .. أو ثقافة تعدد وتنوع الأسرة .. وما يتعلق بذلك من سلوكيات معروفة لدى الوفد الكريم .. أما نحن فلا نزال نصر على تمسكنا بمبدأ : أن الأسرة والتي عمادها الأول هو الدين الإسلام الحق، والمؤسسة على التزاوج الشرعي والقانوني بين المرأة والرجل .. هي الوحدة الأساس، والمؤسسة المركزية بين مؤسسات المجتمع المدني المتحضر والآمن». فسألت: «وهل تريدني إن أهجر عملي في مجلس الأمن القومي لبلدي وأعود للأسرة» ..؟ وكان الرد «لا .. ولكن عليك وعليّ، وعلى كل رجل وامرأة، وعلى كل فلسفة لأي مجتمع ابتداءً، أن تقوم على العلاقة المتوازنة بين واجبات كل فرد في مؤسسة الأسرة، والمؤسسات الأخرى في المجتمع .. وعلينا أن نؤمن جميعاً بأن مؤسسة الأمن القومي الأولى لكل أمة هي الأسرة .. وما يأتي بعدها من مؤسسات وأسباب .. ينبغي أن يكون امتداداً لها وليس إلغاءً لوجودها.»
ينظر الإسلام إلى المرأة كونها تلعب دور أسري في الأساس كونها الأم والأخت والزوجة، وأنها شريكة الرجل في تحمل مسؤوليات الحياة. وبرز في عدد من العصور والأماكن العديد من النساء المسلمات في مناحي الحياة السياسية والقضائية والتجارية والثقافية والاجتماعية.
أشار القرآن لبني آدم في مواقع عديدة وإلى الرجال والنساء معا منها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: “وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ “.
المرأة مكلفة مع الرجل من الله جل جلاله في النهوض بمهمة الاستخلاف في الأرض. فقد قال الله في كتابه ” وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ”
المرأة على درجة واحدة مع الرجل في التكريم والإجلال عند الله. قال الله في كتابه “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا “.
قدسية حياة المرأة والرجل على مرتبة واحدة من المكانة والصون عند الله قال الله في كتابه ” مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ “.
المرأة منبت البشرية ومنشئة أجيالها قال الله في كتابه ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا “.
المرأة في الزواج سكنًا ومصدرًا للمودة والحنان والرجل لها ذلك قال الله في كتابه ” وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ “.
أناط الله للرجل والمرأة على السواء مهمة تكاثر السلالات البشرية وتعارفها وتعاونها، وإقامة الأسرة باعتبارها الوحدة البنائية الأولى والأساس في إقامة المجتمعات البشرية من غير تمايز بينهم على أساس الجنس أو اللون أو العرق. فالعمل الصالح وتحقيق الخير للناس هو مادة التنافس بينهم ، وهو معيار التفاضل بينهم عند ربهم، قال الله في كتابه ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ”
مسؤولية الحياة وتصريف شؤونها ورعاية مصالح العباد تقع على عاتق الرجل والمرأة سواء بسواء وبما اختص كلا منهما من واجبات، قال الله في كتابه ” وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ” وفي حديث لرسوله محمد عليه الصلاة والسلام « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته »، وقد قال الله أيضاً في كتابه ” وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا “وفي الحديث «النساء شقائق الرجال».
الشورى والتشاور والتناصح مسؤولية مشتركة بين الرجال والنساء، قال الله في كتابه “وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ” وفي السيرة تجاوز المسلمون أخطر أزمة في بداية تاريخ الإسلام يوم صلح الحديبية بحكمة امرأة ومشورتها وهي أم المؤمنين أم سلمة – رضي الله عنها- فقد أعطى الإسلام المرأة قيمة إيمانية تعبدية.
فضلًا عن قواعد تنظيمية حياتية تحقق مصالح المجتمع، فأمر بالسمع والطاعة للأم، حيث جعل الله طاعة الوالدين وبرهما والإحسان إليهما مقرونا بطاعته وعبادته في أربعة مواقع منفصلة بالقرآن.

يقول محمد فريد في موسوعة معارف القرن العشرين:
الإسلام قد سبق الأمم كافة في اعتبار المرأة شريكة للرجل في الحياة بنص قوله تعالى ” ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة” وقرر بأنها كائن متمتع بكل الخصائص الإنسانية التي تؤهلها لأرقى مراقي الكمال، البشري حتى النبوة فقد قيل إن مريم كانت نبية. وقد أباحت لها الشريعة الاسلامية بأن تتولى القضاء بين الرجال وأن تلي الإفتاء في شؤون المسلمين. وأجازت لها بان تتصرف في أموالها استغلالا وإيجاراً ورهناً وبيعا، وحث الشارع على أن تحضر المرأة المجامع الدينية والنوادي الشورية العامة عند طروء حادث من الحوادث على المسلمين وجوز لها أن تبدي رأيها في وسط الجموع وعلى الحكومة أن تحله محل الإعتبار إن كان حقاً حدث عند ما كان يريد الخليفة الثانب أن يحدد مهر المرأة خشية الإسراف أن قامت إليه امرأة من الحاضرين فعارضته وهو على منبر الخطابة وأثبتت له خطأه بنصوص الكتاب فاقتنع بحجتها وأعلن للناس بأنها أصابت وأقلع عن مشروعه.
يقول الدكتور حامد الرفاعي لقد اختص الإسلام المراة بامتيازات عن الرجل تقديرًا وإكرامًا لها، مقابل ما كلفها به من أمرين عظيمين جليلين تتحمل مسؤوليتها العظيمة الرفيعة وهي :

تحملها مهمة إعداد نفسها لتكون سكنًا معنويًا وروحيًا وحسيًا لزوجها يأوي إليها، يغسل في ظلال أنوثتها ورحاب نفسها وغزارة عواطفها المتميزة بالرحمة والمودة أدران ومتاعب وهموم كدحه وكفاحة في ميادين ما كلف به من واجبات لم تكلف بها المراة، في قول الله تعالى : ” وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”.
كذلك تحملها أعباء الحمل ومخاطره ومشقة الولادة، ومسؤوليات الأمومة في حضانة الأطفال وتنشئتهم، ومتابعة تربيتهم وإعدادهم لتحمل مسؤولياتهم تجاه تكاليف الحياة التي تنتظرهم… وإنها لا شك مسؤولية تتصاغر أمامها أية مسؤولية أخرى، ومقابل هذين الأمرين العظيمين والمهمتين الجليلتين فقد اختص الإسلام المرأة بامتيازات عن الرجل، بأن خفف عنها بعض الأعباء دون انتقاص من حقوقها أو حقوق الزوج.. نذكر منها:
أعفى الإسلام المرأة من أعباء القيادة العليا ومسؤولياتها وتبعاتها في تصريف شؤون الحياة، وجعل ذلك العبء ومسؤولياته على عاتق الرجل، وله أن يستعين بالمرأة ما أمكنها ذلك وبرغبتها متطوعة في ذلك من دون إرهاق لها أو تحميلها ما لا تطيق، كما هو في قول الله تعالى 🙁 الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..) 34 النساء
أعفى الإسلام المرأة من فريضة الحرب والقتال وجعل ذلك من واجبات الرجال ومسؤولياتهم، دون أن تحرم النساء من رغبة المشاركة في الجهاد وإباحته لهن إن أردن ذلك.
خفف الإسلام عن المراة عبء مسؤولية الشهادة أمام القضاء فجعل مسؤوليتها في ذلك نصف مسؤولية الرجل إذا تخلفت عن الشهادة أو نسيت مضمونها، بينما حمل الرجل كامل المسؤولية في ذلك كما في قول الله تعالى : (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى)282 البقرة .
أما في الحالات الخاصة التي تمس مسؤوليتها في تحديد المولود ونسبه، فقد جعل مسؤوليتها في الشهادة في هذا الأمر مسؤولية كاملة من دون مشاركة لأحد معها من الرجال أو النساء في تقرير هذا الأمر العظيم الذي تترتب عليه أحكام المواريث والأنساب وغيرها،وهذه ثقة كبرى بالمرأة في التشريع الإسلامي .
أعفى الإسلام المرأة من تكاليف النفقة في الحياة الزوجية، وجعل هذا العبء بكامله من مسؤولية الزوج فحسب، ابتداء من مهر الزوج وتكاليفه إلى تكاليف المنزل ومتطلبات الزوجة والأولاد، دون المساس بأموال الزوجة وممتلكاتها الشخصية التي لا يحق للرجل أن يطالبها بشيء منها ، فإن فعل فإنما هو اعتداء واغتصاب لحق الغير، وهكذا فإن الإسلام أعطى للمرأة امتيازًا ماليًا غير عادي على الرجل.. و للحديث بقية .

اظهر المزيد

نهاد كراره

نهاد كراره محاسبة وكاتبة مصرية صدر لها كتب مشتركة مثل بوح الصحبة و قطرات مطر وكتب فردية نيسان الوجع مدن الفراشات الدمشوري وآخر حدود الحلم نشرة العديد من المقالات علي المواقع الالكترونية المختلفة كموقع قل مقالات اجتماعية وبعض القصائد العمودية والعامية علي المواقع الأخرى صدر لها عدد من القصص في جرائد مختلفة منها صوت الشعب و جريدة القصة وغيرها عضو مجلس إدارة لموقع الصحبة نيوز مدير تنفيذي لدار الصحبة الثقافية للنشررالإلكتروني
زر الذهاب إلى الأعلى