العقيدة و الدين

المسيحي مواطنٌ وليس ذِمِّياً يارشدي!

الرد على الشيخ عبد الله رشدي

بقلم: حسام الدين عوض

الشيخ عبد الله رشدي –لمن لايعرفه- شابٌ أزهريٌ اشتُهِرَ بالمناظرات الدينية على الفضائيات ، وبالأخص بمناظرته مع الباحث ‘إسلام بحيري’ حيث تم تقديمه فيها باعتباره المتحدث الإعلامي باسم وزارة الأوقاف المصرية ، والممثل الرسمي للأزهر الشريف.

تخرَّج رشدي في كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر بالقاهرة ، وحصل منها على شهادتي الليسانس ثم الماجستير في الأديان والمذاهب وهو يُجهِّزُ لنيل درجة الدكتوراة في نفس التخصص ، عمل إماماً وخطيباً بمسجد السيدة نفسية بالقاهرة -التابع لوزارة الأوقاف- حتى صدر قرارٌ بمنعه من الخطابة بعيد تصريحه الذي قال فيه بكفر اليهود والنصارى ، الأمر الذي اعتبرته الوزارة سبباً للحرج ، نظراً لاستفزازه مشاعر مسيحيي مصر.

كان رشدي قد كتب في صفحته على فيسبوك بتاريخ 3 نوفمبر 2018 يُعزِّي الإخوة المسيحيين على خلفية الحادث الإرهابي الإجرامي الذي اهتزت له مصر ، والذي وقع في محافظة إلمنيا قبلها بيوم ، وراح ضحيته 7 فيما أصيب 7 آخرون بإصابات بليغة ، وبعد أن كتب رشدي العزاء الواجب قال إن الإسلام قد أوصى بأهل الذمة خيراً! وتعليقاً على كلامه هذا أقول:

أولاً: لم يعد من المناسب أن نستخدم هذا اللفظ “الذمي” ولم يعد لما يسمَّى بـ “أحكام أهل الذمة” محلٌ من الإعراب! لماذا؟ لأنَّ مصطلح الذمة ارتبط بوقتٍ معين كانت تجمع المسلمين فيه رايةٌ سياسيةٌ واحدة ، وجيشٌ يدافعُ عن حقهم في اعتناق عقيدتهم الدينية حين كان العالم قائماً على أساس الولاء للقبائل أو الملكيات التي تقهرُ الأتباع على اعتناق دين ملوكها ، وحين كانت هذه الامبراطوريات الاستبدادية تتربصُ بالمسلمين الدوائر ، فلم يكن مناسباً أن نطالب من لايؤمن بهذه العقيدة بالتجنيد الإجباري في الجيش ، فكان يدفعُ في المقابل ضريبة حماية تُسَمَّى “جـزية!

نحن نعيش اليوم في عالمٍ مختلف من الناحية السياسية والجغرافية ، فلزم على المهمومين بمسائل الشريعة والفقه أن يتركوا من أقوال فقهاء الأمة القدامى مالم يعد يناسب الواقع ، فقد تطوّر مفهوم الأمة القائمة على الأساس الأممي أو الديني ، إلى مفهوم الدولة القُطرِيَّة القائمة على أساس المواطنة ، والتي تحمي حدودها الجغرافية جيوشٌ وطنية ، وتحكمها دساتير مدنية ، وبالتالي فالمسيحي في دولنا العربية والإسلامية مواطنٌ شأنه في ذلك شأن المسلم ، يدفعُ الضرائب ويتمُّ إلحاقُه بالتجنيد الإجباري ، ويحق لكل مواطني الدولة -أي دولة- أن يعتنقوا أي دين سماوياً كان أو حتى وثنياً ، فلم يعد هناك وجود لشئ يُدعى أمة المشركين أو دول الكفر ، كما أصبح المسلمون يعيشون بكل حرية وأريحية في جميع دول العالم ويمارسون شعائرهم ويدعون للإسلام دون أن تتعرض لهم -في المجمل- سلطة.

فحين يأتي أحدهم بكلامٍ لفقهاء الأمة القدامى في قضايا (الولاء والبراء) و (جهاد الطلب) و (دار الحرب ودار الإسلام) و (أحكام أهل الذمة) و (الخلافة والتمكين) ونحوه .. فهو بهذا يستورد كلاماً قيل في أوضاعٍ مختلفة ويستدعي سياقاتٍ أخرى لإسقاطها على واقعنا الحالي .. فليس عجيباً أن يقع في أخطاء وطاماتٍ لاحصر لها!

وثانياً: المسئولية تجاه المجتمع تفرضُ على أهل العلم والدين ألا يتكلموا إلا بما يناسبُ الظروف والشخوص ، فإذا كنا نعرفُ أن المسيحي ليس مؤمناً برسالة محمد –صلى الله عليه وآله وسلم- مثلما يعرفُ المسيحيُ أننا –نحنُ المسلمين- لانؤمن بألوهية عيسى –عليه السلام- بل نقول إنه عبدُ الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه كما قرره القرآن العظيم ، فماكان ينبغي من الشيخ عبد الله رشدي أن يتحدث في هذه الظروف والأوقات الحرجة التي يمرُّ بها الوطن عن ماسمّاه كفر النصارى! فإذا وضعنا في اعتبارنا أنَّ لدينا في مصر 40% نسبة أمية القراءة والكتابة ، و90% نسبة الأمية الثقافية التي تتعلق بالاختلاف وبقبول الآخر والتعايش السلمي معه ، كان الحرصُ في انتقاء الكلام أولى ، فربما تلقَّف بعضَ هذه الأقوال أحدُ الجهال فأساء التصرف وتطرّف ، صحيحٌ أنَّ القرآنَ العظيمَ قال: ” لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ ” (المائدة : 73) ، إلا أنَّ القرآنَ لم يخاطب المسيحيين أو اليهود -ولو مرة واحدة- بـ “ياأيها الذين كفروا” .. أو بـ “ياأيها الكافرون” ، بل خاطبهم في كل مرة بقوله: “يا أهل الكتاب”! لما فيه من ترقيق القلوب ، وتمهيد الأسماع لاستقبال الخطاب القائم على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.

الفارق كبيرٌ بين مقام تصحيح العقائد في باب المحاججة ، وبين تحقير الآخر وتقزيمه وتقريعه وازدرائه بلدد الخصومة وعنت الملاججة!

اظهر المزيد

حسام الدين عوض

مهندس مصري وكاتب وباحث في الشؤون الإسلامية ، حاصل على بكالريوس الهندسة ، ماجستير إدارة الأعمال ، دبلوم الدراسات العليا في الشريعة الإسلامية
زر الذهاب إلى الأعلى